"مش لازم ما يتطلعوا على العمر؟! ،، أنا لسّا بقدر أعطي"

2018/12/30

"مش لازم ما يتطلعوا على العمر؟! ،، أنا لسّا بقدر أعطي"

 السيدة رجاء الخضري 69 عاماً، من سوريا

 أهديتُ 28 عاماً من عمري للعمل في مجال التعليم، حيث عشتُ حياةً مليئةً بالعمل والإنجازات والفرح، إلى أن بدأت الأحداث في سوريا التي أجبرتنا على النزوح داخل مناطق ومحافظات سوريا أربع مرات، ومن ثمّ ساءت وتأزمت الأوضاع كثيراً، لقد عانينا جداً، خرجنا من سوريا إلى الجزائر ومن الجزائر إلى مصر ومن مصر إلى الأردن.

جئت إلى الأردن لاجئةً عام 2013 لأجد نفسي بلا عمل وبلا أصدقاء، كنتُ وحيدةً بالقدر الذي يمنعني من التنفّس، كنتُ وحيدةً إلى ذلك الحدّ الذي يجعل الليل والنهار يمرّان علينا كأننا قطعةُ قماش لم يعد لها أيّ قيمة، مررت بالكثير من حالات الروتين اليوميّ الفارغ، كل هذا أدّى بي للعيش في دوّامة من الضغوطات النفسية التي كانت تزيد من صعوبات الحياة.

حاولتُ أن أساعد نفسي بإيجاد فرصة عمل أو التقديم للبرامج التدريبة التي تنفذها بعض المؤسسات والمنظمات ولكنني في كلّ مرة كانت محاولتي تُقابل بالرفض بسبب العمر على الرغم من رغبتي الشديدة بالالتحاق بهذه البرامج وكنت أسأل نفسي: "طيب ليش بتطلعوا على العمر؟؟! مش لازم ما تطّلعوا على العمر؟؟! أنا لسّا بقدر أعطي؟"

واصلتُ البحث إلى أن بدأت العمل في محل لبيع الإكسسوارات يقع بالوسط التجاري في الزرقاء، كان عملي فيه مقتصراً على تغليف الإكسسوارات وتعليقها في بعض الأحيان، عند إعجابي ببعض القطع كنت أتمنى لو أنّ فيها إضافة معينة، وأتمنى أكثر لو أنني أملك مهارة صنعها لأقوم بذلك بنفسي.

وفي يوم التقيت بصديقة لي وأخبرتني أنّها تودّ الذهاب للاستفسار عن برنامج يستهدف كبار السنّ في مركز نايا المجتمعي، خلال طريقي لمركز نايا شعرت وكأنني أمشي أميال رغم قرب المسافة، كنت خائفة أن يتمّ رفضي كالعادة، التقينا في اليوم الأول بمنسقي المركز وأخبرونا عن موعد الجلسة التعريفية ورحبوا كثيراً بحماسي، خاصةً وأنني حضرت قبل الموعد النشاط بساعة كاملة، ثم حضرنا الجلسة التعريفية عن مشروع تقدير الذي يُنفذ من قبل نايا والممول من منظمة HelpAge International  في الأردن.

شاركت بتدريب صناعة الإكسسوارات من خلال أنشطة مشروع تقدير والتقيت بالكثير من الذين يشبهون عمرنا وشكلنا وخبرتنا وحتى فرح أرواحنا بدأ يتشابه، شكّلنا العديد من الصداقات الجديدة بعد كل هذا العمر، وأثبتنا أن العمر مجرد رقم كما قرأناه في الجملة الأولى عند حضورنا إلى هذا المشروع، وكنت أستمتع كثيراً أثناء صناعة الإكسسوارات حتى إنّني كنت أستمرّ بتصنيعها بعد العودة إلى المنزل، وقد علمتها لأختي التي قررت بعد ذلك الالتحاق بأنشطة البرنامج ثم أصبحنا نصنع الإكسسوارات معاً ونقضي فيها الكثير من أوقات الفراغ.

مع الوقت أتقنت تعليم وصنع الإكسسوارات أكثر فأكثر وتابعت مع المدربة بشكل أكبر إلى أن أصبحت قادرة على تدريب الآخرين، واكتملت فرحتي الغامرة عندما طلبوا مِنّي أن أقوم بعقد تدريب مدفوع الأجر لمجموعة من الشّابات، لا أبالغ إذا قلت ان هذه التجربة كانت من أجمل التجارب في حياتي، لقد كان فيها الكثير من التفاعل والإيجابية والمرح، حيث كنت اعتدت في السابق وبحكم عملي كمدرسة على الجديّة.  لقد كانت فرصة رائعة وحقيقية بالنسبة لي؛ لتجديد روح العطاء ولتكون أول خطوات الطريق حتى أصبح مدربة إكسسوارات على أعلى المستويات.

أتمنى أن يحصل كلّ كبار السنّ على مثل هذه الفرصة في مختلف اهتماماتهم؛ فإنّ لها الأثر الإيجابي الذي يتفوق على السحر، ستكون نافذة أمل جديدة لكبار السنّ على الصعيد النفسي والمعنوي والماديّ، ونتمنى ألا تنظر المؤسسات والمنظمات لعمر الشخص عند تقديم مثل هذه الفرص، لأن بوصلة العمر ليست دئماً بالمؤشر الصحيح لقياس العطاء أو حتى الحاجة لها، فنحن الآن نملك الكثير من الخبرة، ولكن ربما نحتاج مثل هذه الفرص والاهتمام الآن بشكل أكبر.

إنشاء هذه المنصة كان ممكنًا من خلال الدعم المقدم من المساعدات الإنسانية الألمانية، Aktion Deutschland Hilft و NAK-KArITATIV